الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )

409

رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية

حضرة شيخنا كان يتصرف في بواطن المستعدين ويوصلهم إلى مرتبة الغيبة والذهول ، أليس لخواجة محمد يحيى تصرف ؟ أم ليس في هذا الوقت طالب قابل حتى يصرف الخاطر لجمعيته ؟ وغلب هذا الخاطر عليّ . وبينا أنا في هذا الفكر إذ خرج خواجة يحيى وجلس قريبا مني على السكوت ، ثم قال : إن أرباب التصرف على أصناف شتى ، فبعضهم مأذون ومختار يتصرف في باطن من شاء متى شاء باختياره بإذن اللّه ويوصله إلى مقام الفناء والغيبة . والبعض الخر مع وجود قوة التصرف فيه لا يتصرف بلا أمر غيبي وإيماء لا ريبي ولا يتوجه إلى أحد بلا إذن له من المبدأ الفياض . وبعضهم يكون على وجه تغلب عليه صفة وحالة فيتصرف في بواطن المريدين حين غلبتها عليه ويجعله متأثرا من أحواله ومنصبغا بصبغه . وأما من لم يكن مأذونا ومختارا ولا مغلوب الحال ، فكيف يتوقع منه التصرف ؟ . ثم التفت إليّ في أثناء هذا الكلام فحصلت فيّ كيفية عجيبة حتى غبت عن نفسي وسقطت على الأرض من غير شعور وذهلت عن نفسي وعن غيري وبقيت على ذلك مدة . ولما أفقت وفتحت عيني وجدت نفسي مائلا إلى جنبي في الصفة وخواجة يحيى قاعدا مراقبا مغمضا عينيه ، فجلست في الحال مثل الأول وتيقنت أن خواجة يحيى من أرباب التصرف . * رشحة : اعلم أن مولانا خواجة يحيى كان غيورا وضيق الصدر ، وكانت له غيرة عظيمة من غاية محبته لحضرة شيخنا . وكان الأصحاب يتركون صحبة حضرة شيخنا وقت حضوره فيها في بعض الأحيان خوفا منه ، فإن بعضهم قد نال منه ضربا باطنيا . وترك خواجة محمد يحيى صحبة حضرة شيخنا ثلاث مرات من كمال غيرته على حضرة شيخنا من الأصحاب وتوجه في كل مرة إلى طرف الحجاز ووصل في المرة الأولى إلى بخارى ، وفي الثانية إلى هراة ، وفي الثالثة إلى يزد . ولكن كلما توجه كان حضرة شيخنا يرده من الطريق بقوته الجاذبة وتوجهه الباطني . كان مولانا خواجة يحيى مرة قاعدا عند حضرة شيخنا بعد الظهر في قرشي في خلوة خاصة ، وكان يعرض عليه أحواله الباطنية . ونال من حضرة شيخنا التفاتا كثيرا ، ومرت الصحبة على غاية من اللطافة وكان الأصحاب كلهم في خارج الخلوة ، فدخل وقت العصر فأذن المؤذن أذان العصر في أول وقته وما كان له خبر عن تلك الصحبة ، فقام حضرة شيخنا لتجديد الوضوء وبقي بعض الكلام غير تام ، فزعم خواجة يحيى أن ذلك الأذان إنما كان من طرف الأصحاب لغيرتهم على